يشرح البروفيسور مارك ويلر في تحليله معنى قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي اعتمد المجلس في 17 نوفمبر، والذي يصادق على «الخطة الشاملة لإنهاء نزاع غزة» المدعومة أميركياً، والمعروفة بخطة الرئيس دونالد ترامب ذات العشرين نقطة. ويكشف التحليل طبقات من الغموض السياسي والقانوني الذي يكتنف الصياغة، حيث يخفي النص أكثر مما يوضّح، ويعكس توتراً عميقاً بين الرغبة الأميركية في شرعية دولية واسعة والحرص على تقليص نفوذ الأمم المتحدة في التنفيذ.
يعرض مصدر التحليل، تشاتام هآوس، خلفية معقّدة لعملية اعتماد القرار، إذ تسعى واشنطن إلى أقصى قدر من المشروعية الدولية مع إبقاء السيطرة التشغيلية في يدها وشركائها، فيما أبدى أعضاء آخرون في المجلس تردداً واضحاً تجاه منح صلاحيات مفتوحة للولايات المتحدة.
كيف فرضت واشنطن تمرير القرار؟
اتبعت واشنطن أسلوب الضغط المكثف لتقليص فرص تعديل مشروعها، وقصّرت فترة المشاورات لتجنّب أي تعطيل قد يهدد وقف إطلاق النار الذي خفّف معاناة غزة مؤقتاً. دعمت قطر ومصر والإمارات والسعودية وإندونيسيا وباكستان والأردن وتركيا المشروع الأميركي في بيان مشترك، ما أتاح للدول المترددة التصويت لمصلحة النص رغم تحفظاتها.
طرحت روسيا مشروعاً بديلاً يعكس مخاوف عدة أعضاء، لكن الولايات المتحدة حشدت داعمي الخطة الأوائل وأعادت تأكيد الغطاء الإقليمي لها، ثم تراجعت موسكو مع إبداء قلق بالغ، بينما امتنعت الصين أيضاً عن التصويت، وصوّت بقية الأعضاء لصالح القرار. تكشف هذه الديناميكية توظيفاً سياسياً للحظة إنسانية حساسة لتمرير نص مثير للجدل.
لماذا احتاجت خطة ترامب إلى غطاء أممي؟
تعارضت إدارة ترامب تقليدياً مع المؤسسات متعددة الأطراف، إلا أن تنفيذ الخطة احتاج تفويضاً أممياً لإقناع الدول بالمساهمة بقوات في «قوة الاستقرار الدولية المؤقتة». يوفّر التفويض شرعية تقلل مخاطر تصوير المهمة كجهد استعماري جديد يضع غزة تحت وصاية غير مباشرة، ويمنح الغطاء القانوني اللازم لأي وجود أجنبي قد يرقى إلى احتلال مسلح دون هذا التفويض.
يتيح تفويض بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة وإجراء عمليات حكم في إقليم دون موافقة السيادة. وتُظهر صياغة القرار إشارات قوية إلى هذا الاتجاه عبر السماح باستخدام «كل التدابير اللازمة»، وهي عبارة ترتبط حصراً بسلطات الفصل السابع، رغم غياب العبارة المعتادة التي تصرّح صراحة بالتصرف وفق هذا الفصل. يعكس هذا الغموض تسوية سياسية تهدف إلى إرضاء أطراف تخشى سابقة واضحة للصلاحيات الواسعة في محيطها الإقليمي.
حدود السلطة ومخاطر التمدد
تمنح الصياغة «مجلس السلام» والقوة الدولية صلاحيات واسعة تشمل الإشراف على الحكم الانتقالي وإعادة الإعمار والخدمات العامة والإنسانية وتنظيم حركة الأفراد، مع بند جامع يضيف أي مهام إضافية ضرورية لتنفيذ الخطة. تثير هذه الصلاحيات مخاوف من تجاوز حدود التفويض دون آليات كافية لحماية حقوق السكان المحليين.
تُدرج المهام كذلك تدمير البنية العسكرية والهجومية للجماعات المسلحة ونزع السلاح الدائم منها، بما في ذلك شبكة الأنفاق التي استعصت على الجيش الإسرائيلي. ينذر هذا المسار باحتكاكات مسلحة محتملة مع حماس التي تؤكد رفضها نزع سلاحها بالكامل وتستند إلى خطاب «حق المقاومة».
في المقابل، لا يفرض القرار التزامات واضحة على إسرائيل تتجاوز الحفاظ على وقف إطلاق النار، ولا يحدد جدولاً زمنياً للانسحاب الكامل، كما يغيب نص صريح يلزمها بتيسير وصول المساعدات ووقف العرقلة. يلحق القرار بخطة ترامب كملحق مرحَّب به دون اعتباره جزءاً لا يتجزأ من النص، ما يحدّ من قوته الإلزامية.
يبرز أيضاً جدل حول تمثيل السلطة الفلسطينية ودورها، إذ امتنعت الولايات المتحدة وإسرائيل عن ربط التفويض بموافقة سيادية فلسطينية خشية الإيحاء بالاعتراف الكامل بدولة فلسطين. يكشف هذا الخيار توازناً هشاً بين الشرعية القانونية والاعتبارات السياسية، ويترك الباب مفتوحاً لتفسيرات متضاربة لمستوى الإلزام والنطاق العمَلي.
في المحصلة، يرسم القرار 2803 مساراً غامضاً لكن مؤثراً لمستقبل الحوكمة والأمن في غزة، حيث تتقاطع الشرعية الدولية مع حسابات القوة، وتبقى التفاصيل التنفيذية ساحة صراعٍ قانوني وسياسي قابل للتأويل، بينما تستمر الأسئلة الجوهرية حول السيادة والحقوق والحماية الإنسانية في البحث عن إجابة مستقرة.

